أين كنت يوم الطوفان؟!

أين كنت يوم الطوفان؟!

وعيصفية أبي حفص٧‏/١٠‏/٢٠٢٦6 دقيقة قراءة٩٤

أين كنت يوم الطوفان؟!

السابعَ من أكتوبر تحديدًا…

لا أسألك هاهنا عن رقعةِ المكانِ ولا عن تقويمِ الزمان، ولا عن ذاك الجسدِ الذي تابَعَ الهولَ عبرَ الشاشات؛ بل أسألك عن اللحظةِ التي اهتزت فيها أركانُ الروح، وَوَقَعَتِ القطيعةُ بينَ زمانين: زمان كنا نرضى فيه بسنَةِ الاعتيادِ ونظنُّ الأوهامَ سَقفا، وزمان انشقَّ فيه الفَجرُ بغتةً، فاستحالَ على الوجدانِ العودةُ إلى ما كان عليه.

أذكرُ الذهولَ المَهيب؛ حينَ طَرَقَ الخبرُ الجَلَلُ أبوابَ الصباح. اتّسعت الروحُ في صدرك، وفاضت العزةُ من محابِسها، واستبدّت بك فرحةٌ بكْر؛، وسالَ المستحيلُ على الأرضِ عزًّا وإباءً، وأدركت النفوسُ أن القَيْدَ لم يكن إلا وهمًا غَرَسَهُ الوهن!

ثُمَّ…أعقَبَ الفَجْر هول المعركة، وجاءت الابتلاءات عِظامًا لِتُمَحِّصَ تلك العزة، لا لِتَكْسِرَها.

انهالَ العالمُ بطغيانِهِ ونوازلِه، فانقلبت الفرحةُ الأولى أمانةً ثقيلة، ووضعَ الطوفانُ المعادنَ على مِحَكِّ الصلابة. لم يأتِ الهولُ ليُطفئَ جَذْوةَ العزة، بل جاء ليجرفَ وهمَ الأمان، ويردَّ النفوس إلى أصلِ فِطرتها: لا اعتماد إلا على الله، ولا نَجاةَ إلا بَبَصِيرَة عِلمٍ يهدي، وثَباتٍ يُستمدُّ مِن حُسن التَّوَكل والتَّسلِيم.

خبت أسئلةُ السرورِ العابر، وأطلَّ السؤالُ الخالد: كيفَ نكونُ أهلاً لهذا المفصلِ الفارقِ الذي أقامَهُ العِزُّ والدم؟

وفي غمرةِ هذا الشُّخوص، تلفتّ في زوايا دارك، وفي وجوهِ أهلك؛ فأزاحت العظائمُ عن الديارِ غثاءَ الصغائرِ وشواغلَ العيشِ الهامشية. عادَ البيتُ تحتَ وهجِ الحادثةِ إلى نِصابه الأول: قلعةً تُصانُ فيها المعاني، وتتشربُ فيها الناشئةُ كبرياءَ الانتماء؛ فلا تكونُ القضايا الكبرى في بيتك نبأً عابرًا تتداوَلُهُ الألسن، وإنما عقيدة راسخة، وموقفًا يُبنى، ووعيا صلبا يُربّى عليه الأبناءُ ليكونوا حصنا منيعا لأمّتهم.

وعلى دروبِ السعيِ التي ألفْت الرَّكْضَ فيها، أربَك الطوفانُ الخرائطَ الضعيفة، وطَرَحَ على الكَدِّ سؤالَ شَرَفِه؛ فالعلْمُ والمهارةُ اللذان يقفانِ عندَ حدودِ الذاتِ زينةٌ لا تغني عندَ الحقيقة، فما كان المأمولُ أن تذرَ صناعتك أو تنكفئ، بل أن يتّسعَ أفقُ نيتك؛ لترى في تخصصك، وعملِك، وسائرِ ما أوتيت من أسبابِ التمكينِ ثَغرًا يُصانُ به الأثر، وأمانةً تصِلُ بها جهدَ يومِك بحاجةِ أُمَّتِك، فلا يكونُ سعيُك شجرةً تتفيأُ ظِلَّ نفسها، بل شريانًا يُمِدُّ الجسدَ الكبير.

ثُمَّ امتدَّ أثرُ الطوفانِ إلى لسانِك وبيانك؛ فغدت الكلمةُ في زمنِ المِحن سيفًا وموقفًا، لا لَغْوًا يُذرَى في الهواء، فربَّ لَفْظَةٍ صادقةٍ أقامَتْ أُمّة، وربَّ بيانٍ حُرٍّ جَلا الباطلَ وهَتَكَ السواد.

استحالَ القلمُ واللسانُ ثَغْرًا يُرابَطُ فيه، يُقاسُ بهما حَظُّكَ من الصدقِ والوفاء، وتتساقطُ عندهما حساباتُ الخوفِ والحيادِ البارد.

وفوقَ ذلكَ كلِّه، كان الطوفانُ انبعاثًا جليلا يتجاوزُ حدودَ الجغرافيا، ويصلُ نبضَك بأصلِ أُمَّتك. أدركت حينئذٍ أنّ الأمةَ وإن بدت في المحنةِ تعتصرُ ألمًا، هي الأصلُ الشامخُ الذي يمنحنا الشرفَ والوجود. قد يُخَيَّلُ لنا أن الأمةَ تحتاجُ جهدَنا وبذلَنا، والحقيقةُ الكبرى التي جلاها السيلُ أن حاجتَنا إليها أشدُّ وأعظم؛ فنحنُ بها ننتشلُ أرواحَنا من عبثِ الفرديةِ والضياع، وبها نجدُ لمعنى عيشنا شرفًا وقيمة. هي تسيرُ بنا أو بغيرنا إلى قدرها الموعود، وعِزُّنا كلُّ العِزِّ في أن نكونَ لَبِناتٍ في بنائها الشّامخ، لا غبارًا هامشيًّا يطؤهُ التاريخُ وهو غافل.

لم يمرَّ هذا الطوفانُ بك ليتركَك على الهامش، ولا ليختبرَ فورةَ فرحِك الأولى فحسب، وإنما ليستنهضَ مكامنَ القوةِ في روحك، وليضعَك أمامَ ذاتك: بينَ نَفْسٍ شَهِدَتِ الفَجْرَ والعزةَ ثمّ استكانت لِسِنَةِ العادة، ونَفْسٍ استيقظت، فأعادت ترتيبَ دارها، وصحّحت قِبلة سعيِها، ورسّخت في الوجدانِ موقفًا صلْبًا لا يتزعزع.

أينَ كنت يومَ الطوفان؟!

يرجعُ السؤالُ إليك عندَ المنتهى؛ يزنُ موضعَ قَدَمِك الساعة..

أينَ تقفُ اليومَ من ثغورِ أُمَّتك؟ وما الذي أورثَك إياه السيلُ في بيتك وعملك، يومَ انشقَّ الفَجرُ وسقطت أوهامُ الاعتياد؟

خطت هذه النشرة بمداد الكاتبة

صفية أبي حفص