المتاهة | أوهام المنهج
غلبَ على أهلِ زماننا هذا مذهبٌ في التربيةِ غريب، نَحَوا فيه بالأمومةِ مَنْزَعَ الوظائفِ العارضة، وجعلوا شأنَ الأمِّ مقصوراً على سِياسةِ الأبدان ونقلِ الرسوم، بعد أن كانت هي المَعينَ الذي تَستبحرُ فيه المعاني، والموضعَ الذي تَنْجَلِي فيه الرؤى.
ومن أعجبِ وجوهِ هذا الاختزال، ذلك الضجيجُ الذي تلهجُ به الألسنُ في طلبِ الوسائلِ لصناعةِ الطفلِ القارئ؛ حتى كأنّ القراءةَ كُلفةٌ تُساقُ إليها الناشئةُ سوقاً، في حين هي حياةٌ تستمدُّ رِيَّها من الكبير وتفيضُ على الصغير.
وفي هذا العدولِ عن الأصلِ إلى الأثر، يُقلبُ ترتيبُ البناء؛ إذ يُشتغلُ بتخريجِ الفروع قبل استبانةِ مَحلِّ القراءةِ من نفسِ الأم، وكيف يَنبني بها مذهبُها في النظر إلى الوجود. وربما نغفل هنا أو نتغافل أنّ الصبيَّ لا يأخذُ القراءةَ صناعةً مقتطعة، بقدر ما يرثُها حالًا باطنةً، تسري إليه من سَمْتِ أمه قبل أن تمرَّ عبرَ مَنطقِ لسانها.
المشكاة | أمانةُ الوعي ومنازلُ الاستخلاف
لم يكن النداءُ الأول للوحي أمراً عارضاً بتحصيل المعارف، وإنما كان إعلانًا عن حقيقة الإنسان ومنزلته: مخلوقًا مكرّمًا مؤتمنًا مستخلَفًا. فقولُه تعالى: «اقرأ باسم ربك» ليس توجيهًا إلى فعل القراءة من حيث هي مهارة، بل تأسيسٌ لنظرٍ منضبطٍ بأصله، موصولٍ بالمصدر الذي تنتظم به الحكمة وتستقيم به المقاصد؛ قراءةٌ تُهذّب العقل، وتزكّي الإرادة، وتردّ الإنسان إلى وظيفته الأولى: أن يعقل، فيُحسِن التقدير، ثم يُعمِر على بصيرة، ثم يشهد بالحق في نفسه وحياته.
لكن…ليس كلُّ قراءةٍ تفعل ذلك، أليس كذلك؟
لأنّ القراءةَ إذا انفصلت عن هذا الأصل صارت تراكمًا لا بناءً، وامتلاءً لا هداية فيه.
ومع هذا المعنى، يسمو الهمُّ عن مجرّد استهلاك الصفحات إلى استنقاذ أمانة الاستخلاف في النفس؛ فتصير القراءةُ تمييزًا بين المعاني، وترتيبًا للمراتب، وربطًا بين العلم والعمل. ومن ثمّ كانت عمارةُ القلب بالوعي أصلًا لعمارة البيت، وكان استحكام الفهم في النفس منشأً لتكوين الأبناء؛ فالولد إنما يرث جهةَ النظر قبل أن يرث المقال، ويتشرّب المذهب في الحياة قبل أن يحفظ العبارة، وربما أكثر مما نظن.
صيانة الذات من التبدّد
في معتركِ الأمومةِ وغمارِ العيش، لا يَنفدُ العمرُ وحده، بل قد تَنطمسُ مَعالمُ النفسِ تحتَ وطأةِ الكدِّ الراتب.
فما أكثرَ ما يمرّ يومُ الأم بين خارجٍ يستفرغ جهدها، وداخلٍ يستبقي بقيتها؛ بين عملٍ يطول، وطريقٍ يزدحم، ثم بيت ينتظر، مطبخٍ لا يهدأ، وطفلٍ يُنادِي، وثوبٍ يُطوى. حتى إذا هدأ البيتُ آخرَ الليل، جلستْ لحظةً كأنها تستردّ أنفاسها، لا تدري: أهي باقيةٌ لنفسها أم ذاهبة؟
هنا تغدو القراءةُ ضرورةً وجوديةً تسترد بها الأم زمام نفسها، وتنتشلها من نافلة التأجيل قبل أن يمحو العالم أثرها.
القراءةُ عودةٌ حقيقيةٌ إلى لباب الواقع؛ تعيد رصّ الداخل، وتفكّك كدر النصب، وتفتح في النفس منافذ كانت قد ضاقت. بها تتجاوزين عناء الكد لتعيدي وصل ما انبتّ بينك وبين عوالم المعنى والجمال، فتخرجين من ضيق اللحظة إلى سعة الرؤية؛ فيغدوَ الكتابُ لكِ مَعقلاً تفيئينَ إليهِ، لا انقطاعًا عن الشؤون، وإنما رجوعٌ إليها برأيٍ أجلى ويقينٍ أرسخ.
بلاغةُ السَّمتِ وفَيضُ الاقتداء
يستعصي غرس المعاني في الصبي بزخرف القول، فهو يلتقطها من أطرافها الخفية؛ يلحظ ولا ينطق، ويشهد ولا يصرّح، من طريقة الجلوس، من نبرة الصمت، من حركة اليد وهي تقلب كتابًا.
ثم يسكن ذلك فيه شيئًا فشيئًا… دون إعلان.
ومن هنا، فإن سكينتكِ الثقافية تسري في وجدانِهِ سريانَ العافيةِ في البدن بعيداً عن قوالب التعليم الجامدة؛ تُقوّمُ أودَهُ، وتُقيمُ ميزانَ فطرتهِ، دون أن يسترعيَ ذلك منهُ كبيرَ التفات.
فالأم القارئة لا تكتفي بإخبار أبنائها بمحبة الكتاب، وإنما تُريهم ذلك حالًا؛ تشهده الأعين قبل أن تلتقطه الأسماع. وحسبهم أن يروها وقد آبت إلى كتابها أوبة من وجد مستقره؛ ليوقنوا أن وراء هذا السكون معان، وأن في الحرف سرًا يستوجب هذا الانصراف المهيب.
وهنا سؤالٌ صغير يمرّ في النفس:
هل كان الطفل يحتاج تعليماً بقدر ما كان يحتاج رؤية؟
أكتبُ لكِ بصفتي ابنةً لـحالٍ باشرتُها عَياناً، لا لمقالٍ روي لي سَماعاً؛ نَشأتُ في كَنَفِ أمٍّ لم تجعل الوعظَ طريقاً لـسياستي، وإنما اتخذت الامتلاءَ بالمعنى سبيلاً لـإرشادي. كنتُ أرى الكتاب في يَدها رُكناً مكيناً وسط غَمراتِ الشؤونِ ومُكابداتِ العيش، فعلمتُ منها دون تصريح، أنّ القراءة ليست تزجيةً للوقت، ولا فضولًا عارضًا، وإنما هي لَأْمٌ لصَدْعِ النفس، وصيانةٌ لها من التبدّد في مَضايقِ المسؤوليات التي لا تنقضي.

مآلاتُ الرَّيِّ وثمرةُ الاستبصار
على هدي ابن المقفع في قوله إن الأدب تلقيحٌ للعقول، تكون القراءة للأم غيثاً ينفذ إلى سويداء الوعي فينقّيه ولا يكتفي بري الظاهر. فهي تترفع عن وضع جداول الطوارئ لتعيد صياغة موضع النظر نفسه؛ فتقوّم الميزان الذي توزن به الوقائع قبل أن تعالج.
وبهذا تتحول القراءة من رصيد يُدّخر إلى أصلٍ منشئ: تُهذَّب به البواعث، ويُمحَّص به الحدس. فإذا نزلت النازلة، لم تكن رهينة انفعال طائش، وإنما تصدر عن وعيٍ رصين يلتقط الخيط الواصل بين يومه وغده. وعندئذٍ لا تعود التربية تدابير متفرقة، بل تصير صنعة نفس: ينضبط فيها القول بالفعل، ويهدأ القلب عند مواطن الاضطراب؛ لأن القرار لم يخرج من فراغ اللحظة، وإنما من عمقٍ مروي بالحرف: غيثًا إذا نزل صفّى، وإذا تكرر أثمر.
وعي | ميثاق الغرس
فيا أيتها الأنثى المربية، مَقامُكِ من الكتابِ هو مَقامُكِ من نَفْسِكِ أولاً، ومن من يقتفُون أثرك تَبَعاً؛ فباستنارةِ مَحل النَّظرِ عندكِ، تستقيمُ لهم معالم الطريق.
وما القراءةُ إلا استرجاعٌ لإنسانِكِ المستخلف، وصِيانةٌ لجلالِ هذه الأمانة من ابتلاع ضجيجُ العوارض.
كوني - يا رعاك الله - الحالَ التي يَقيسُ عليها الناشئون رُشدَهم، والمستقرَّ الذي يفيئونَ إليه كلما عصفت بهم رياحُ الغفلة؛ فإن أثرك الباقي ليس ما أمليتِه نطقًا فحسب، وإنما ما أورثتِهم سمتًا ويقينًا.

خطت هذه النشرة بمداد الكاتبة:
صفية أبي حفص
