مقامات الربّانية في بيت الخليل

مقامات الربّانية في بيت الخليل

تربيةصفية أبي حفص٧‏/٦‏/٢٠٢٦5 دقيقة قراءة١٬١٧٦

في سورةِ البقرةِ، يلوحُ مشهدُ رفعِ قواعدِ البيتِ كخاتمةٍ جليلةٍ لمسارٍ ممدودٍ من التزكيةِ؛ حيثُ تنطوي لُجّةُ المحنةِ لتبتدئَ معالمُ الأمةِ. ففي قولهِ تعالى: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ نشهدُ بناءً شاخصًا في الظاهرِ، لكنهُ في الباطنِ ثمرةُ بناءٍ سابقٍ استقرَّ في سُويداءِ النفوسِ؛ بناء لم يُشيَّد برصِّ الحجارةِ، وإنما أُقيمَ على محضِ التجريدِ والانخلاعِ التامِّ عن التعلقاتِ، وهي العتبةُ التي يمحّص عندها ميزانُ صلابةِ اليقينِ، ويشتدُّ بها حبلُ الثباتِ والعقيدةِ.

ميزانُ الرجولةِ الإبراهيمية

هذا البيتَ الذي ارتفعَ شامخًا في وادٍ غيرِ ذي زرعٍ، لم يكنْ إلا تتويجًا لابتلاءٍ أعظمَ سطّرتهُ آياتُ الصافاتِ؛ إذ كانَ إسماعيلُ قبلَ أن يكونَ شريكَ الرفعِ والبناءِ هو البشرى التي طالَ بها الانتظارُ، والحلم الذي استوطنَ سويداءَ القلبِ.

لا يزالُ الخيالُ يرتدُّ خاشعًا إلى صدى صوتِ إبراهيمَ وهو يضرعُ في محرابهِ: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾

فما إنْ أشرقَ نورُ النداءِ بالبشرى، واستقرّتْ حبائلُ المحبةِ في النفسِ، حتى نزلَ الأمرُ الذي يمزّق نياطَ القَلب: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾

ههنا تتوقفُ الأنفاسُ وجومًا؛ فلو أنَّ الأقدارَ طلبت نفسَ إبراهيمَ لجادَ بها طائعًا، ولكانَ بذلُ روحهِ أهونَ عليهِ من أن يمدَّ يدهُ بالسكينِ إلى ثمرةِ فؤادهِ وحلمِ سنينه، لكنها مواطنُ الشدةِ الكبرى التي لا يثبتُ فيها إلا مَنْ كملتْ في طاعةِ اللهِ رجولتهُ، وصدقَ في مقامِ التسليمِ عزمهُ.

حِجْرُ الصناعةِ الأولى

بيدَ أنَّ هذه اللحظةَ المحفوفةَ بالرهبةِ، قد كشفت لنا عن الحلقةِ المكنونةِ في فقهِ التربيةِ؛ وهي صناعةُ هاجرَ. فإسماعيلُ الذي انقادَ لوالدهِ مطيعًا، لم يكنْ نبتًا مبتورًا في الصحراءِ، بل كانَ الصدى العميقَ ليقينِ أمهِ التي تُرِكتْ بالأمسِ في القفرِ فقالت بثباتٍ: إذن لا يضيعُنا.

لقد كانَ قولهُ الشامخُ: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ ﴾ هو الثمرةَ الطيبةَ التي نضجَت في حِجرِ امرأةٍ صاغت للأمةِ رجلًا لا يرتجفُ فؤادهُ أمامَ جلالِ الأقدارِ، فسكبت في صباهُ فُتوّةً مبكرةً تسعُ على حداثتها ثِقَلَ التكليفِ وأمانةَ البلاغِ.

فلما أسلما لأمرِ ربّهما وتلّهُ للجبينِ، انحلت عقدةُ المحنةِ؛ فما كانَ المولى الرحيمُ ليرضى لقلبِ خليلهِ جبالًا من هذا الوجعِ المُضني، لكنها ضريبةُ الاصطفاءِ الغالية، وعتبةُ الصدقِ التي تنكشفُ عندها حقيقةُ التسليمِ. فلما خرجا من أتونِ الاختبارِ بالنجاحِ الأكبرِ، استحقّا معًا شرفَ الرفعِ والتشريفِ؛ فإسماعيلُ الذي وسّدَ عنقهُ خاضعًا تحتَ حدِّ النصلِ، هو نفسهُ الذي غدا شريكًا يرفعُ مع أبيهِ قواعدَ المقامِ. فكما أنهُ لا بناءَ لمن لم يعرف كمالَ الامتثالِ، فكذلكَ لا إمامةَ في الدينِ لمن لم يذبح هواهُ ليبلغَ تمامَ العبوديةِ.

فقهُ الثباتِ والامتداد

إن انخلعتَ يَومًا عن مألوفكَ، وسِيقَت خُطاكَ إلى نازلةٍ لا ترى فيها غيرَ الوحشةِ والانقطاعِ فلا يَحسَبَنَّ قلبُكَ أنَّكَ متروكٌ لعراءِ الطريقِ بلا عينٍ كلئةٍ؛ فما كانتِ البداياتُ الإبراهيميةُ إلا اقتحامًا لمَهاوي الامتثالِ؛ حيثُ تنقطعُ علائقُ النفسِ، ويُجَرَّدُ القلبُ من كلِّ ما ألِفَهُ من أسبابِ الطمأنينةِ والسكونِ.

وادي اليقين والابتلاء

ما كانَ وادي هاجرَ موضعَ أُنْسٍ حينَ تُرِكتْ فيهِ، ولا كانَ الأمرُ الذي هبطَ على قلبِ الخليلِ هَيِّنًا تُطِيقُهُ النفوسُ المترفةُ، ولكنَّ اللهَ إذا أرادَ أن يُخرِجَ من العبدِ معنًى عظيمًا، ساقَهُ في دروبٍ لا تليقُ إلا بأهلِ الإيمان واليقينِ. فهناكَ في مجاهلِ تلكَ العُزلةِ، انبثقَ ماءُ الحياةِ، كما وُلِدَ الفداءُ عندَ حدِّ النصلِ رحمةً تترددُ أصداؤُها في الأرضِ إلى آخرِ الدهرِ.

فامْضِ فيما أُمِرتَ بهِ مُضِيَّ مَنْ يعلمُ أنَّ التكليفَ مقامُهُ السَّعْي، وأنَّ شأنَ المؤمنِ أن يَصْدُقَ في البلاغِ ولو لم يَرَ الثمرةَ رأيَ العينِ. فكثيرٌ من الأقدارِ لا يُفْتَحُ معناها إلا بعدَ الاجتيازِ، ورُبَّ كُربةٍ ظننتَها بابَ الانطفاءِ وكانت في علمِ اللهِ مبدأَ الاتساعِ والتمكينِ.

على أثرِ خُطاكمُ المجيدةِ نستنهضُ ما وَهَنَ من ثباتنا، عسى أن يغدو انقشاعُ هذا الليلِ عيدًا، وتتهادى بشائرُ الفرجِ أسرابًا لا تنقطعُ.

سلامٌ على الخليلِ حينَ مَضَى لِما أُمِرَ، وسلامٌ على هاجرَ وهي تلزمُ يقينَ التوكلِ، وسلامٌ على الغلامِ الذي استكملَ مقامَ الرجولةِ فداءً وطاعةً حتى غدا صبرُهُ منارًا للعالمينَ، وسلامٌ على كلِّ عبدٍ زلزلتهُ النوازلُ فما ارتابَ، ونزلتْ بهِ الأقدارُ فثَبَتَ راسخًا لا يزيدُهُ ضيقُ المحنِ إلا حُسْنَ ظنٍّ بمولاهُ.

خطت هذه النشرة بمداد الكاتبة

صفية علي أبي حفص

نشرات ذات صلة