فقه الحب في مرافئ الصحابة

فقه الحب في مرافئ الصحابة

تربيةصفية أبي حفص٧‏/٧‏/٢٠٢٦4 دقيقة قراءة٤٩٥

المتاهة: ضَلالُ الهَوَى وفِتنَةُ البَرِيق

إنّ من أشدّ خيانات المرء لنفسه، أن يرى الحقائق بعينِ هواه لا بعينِ هداه، وأن يظنّ في السرابِ مآبا لمجردِ لمعانِه. فكم من قلبٍ ضلّ الطريق لأنه آثرَ بريقَ العبور على ديمومةِ الاستقرار، وكم من رُوحٍ تاهت حين اتخذت من الوهجِ دليلاً؛ ولو انقشع هذا البريقُ الزائف عن الوجوه، لبانَ لهم أنّ الحبّ في ميزان الإسلام ليس انفعالاً تذروه رياحُ الخيالات، ولا شعوراً تُزجيهِ صوَرُ الشاشات؛ بل هو عهدٌ وثيق ومُكاشفةٌ تُوزن بها رزانةُ النفوس، وسيرٌ حثيثٌ إلى الله قبل أن يكون مَيلاً إلى أحدٍ من خلقه. فالإنسان المسلم لا يقاس بمقدار ما يفيضُ به وجدانه، بل بقدرته على إرساء مشاعره في مرافئ الوحي، وترتيبِ نبضه على هدي الشريعة؛ فالعاطفة في أصلها مُزنٌ هتّانة، لكنها إن تمردت على سلطان الشرع استحالت من نورٍ يُهتدى به إلى فتنةٍ تعمي البصائر.

المشكَاة: هُدَى العَقِيدَةِ ومَرافِئُ المَوَدَّة

وهنا تتجلى سيرةُ أم سُليم رضي الله عنها، مثالاً سامقاً لا يُدانيه مثال؛ إذ لم تَحجبْ سطوةُ العاطفةِ عقلَها، بل ردّت الأمر إلى أصلٍ عقديٍّ مَتين، فكان مَهرها الإسلام، لتُعلن بلسان الحال قبل المقال أنّ الزواج في فقه الروح ميثاقٌ غليظ، لا ينهض على اتحاد البيت قبل اتحاد القِبلة!

وما كان هذا التأسيسُ العقديُّ الرصين إلا البذرةَ الأولى لسنواتٍ تطاولَ أمدُها من عمران المَخبر والمجانسة الروحية؛ سنواتٌ صقلتها الأيام وزكّتها المودة، حتى تحوّل هذا العهد مع مرور السنين إلى حِصنٍ منيعٍ تتهاوى عند أعتابه صروف الأيام، وملاذٍ تذوب في رحابه كُلفة الصمود ومظاهر التكلّف؛ وتجلى نُضجُ هذا الميثاق بأبهى صوره في المحن؛ كما فعلت أم سُليم ذاتها حين جعلت من دارها ليلةَ فقدِ ابنها مأمنًا لا يتسلل إليه الكدر، فغلّفت لوعتها بسكينةٍ مذهلة، وهيأت لزوجها مَرفأً يخلعُ عنده تكلف الصمود، حتى كاشفتهُ بالخبر برزانةٍ أحكمت بها ميثاقَ الصبر؛ فصارت له عُدّةً للخطوب وملاذاً من نوائب الدهر.

وعي: ذِمَامُ المُرُوءَة وإِرثُ الِاستِخلَاف

إنّ الزوج الأسمى هو ذاك الذي يمثّل المرآة الصادقة والامتداد الروحي؛ مَن إذا ولجت إليه ألقيت بين يديه بيادق المكاشفة، موقناً أن عُريك النفسيّ لديه ستر، وأن انكسارك عنده رفعة. هو الذي خلطك بنفسه حتى ما عاد يُعرف أين ينتهي أثرك ويبدأ أثره، فمن تجد عنده هذا التجرد بسلام، ستفيضُ أنت بسلامك على الأبناء والوالدين والمحيط.

هذا الذي ستختاره ليُقاسمك سكنك وسكينتك، ليس مجرّد رفيق دربٍ تنتهي غايته عند حدود رغباتك، بل هو المناخ الذي سيتنفّسه صغارك، والقدوة التي ستنطبع في وجدانهم بالمعاينةِ والمشاهدة قبل الموعظةِ والمقال. فمن يرتضيه المرء قرينًا له، إنّما يرتضي في الحقيقة امتدادًا لنفسه في جسدٍ آخر، وناظمًا لمستقبل أبنائه؛ فالأبناءُ غراسٌ لا تنبت إلّا في تربةِ الودّ المستقر، ولا تشبّ أغصانهم وتستقيم إلّا إذا استندت على جذوعٍ متينة من المروءة والنبل والدين.

فمن ظفر بزوجٍ يكون له داراً يكشف له نفسه دون رقيب، ويحمل معه هموم الحياة بصدرٍ منشرح، فقد حاز من الدنيا أنفس ما فيها؛ إذ أعطى نفسه الأمان، وأعطى ذريّته امتداداً للنبل يرفلون في ظلاله أمد الدهر، فقد أحسنَ إليهم في مهدهم، وقبل أن يُولدوا بآباد. وعليهِ؛ فما كانَ اختيارُ الزوجِ يوماً نزهةَ خاطرٍ أو فلتةَ حظ، بل هو استخلافٌ وتدبير؛ فإمّا اختيارٌ يُورثُ القلبَ سَكينةً والعقبَ نُبلاً، وإمّا اضطرابٌ يذرُ الروحَ قاعاً صفصفاً. فالعاقلُ مَن لم يغترَّ ببريقِ المظهر حتى يطمئنَّ لعمران المخبر، ومَن جعلَ بوصلتهُ في الودِّ استقامةَ العهدِ لا فورةَ الوجد؛ فالحبُّ الذي لا يحرسُه الدِّينُ ضياع، والبيتُ الذي لا يقومُ على المكاشفة جدرانٌ من رمال؛ فاجعلوا من بيوتكم مرافئَ للوحي وملاذاً للأرواح، تُشرقُ فيها وجوهكم بصدقِ المجانسة، وتأمنُ فيها خطاكم من عثراتِ الزمان.

خطت هذه النشرة بمداد الكاتبة

صفية أبي حفص

نشرات ذات صلة