يا بنية.. اغنمي الرقاد!

يا بنية.. اغنمي الرقاد!

تربيةصفية أبي حفص٧‏/٩‏/٢٠٢٦5 دقيقة قراءة٩٩٩

عن سياسة النفس بين الراحة والعَجز.

خرجتُ ذاتَ شروق إلى ممشى البحرِ أروم رياضة النفسِ، وأبتغي خلعَ أثوابِ الكسلِ، ألتمس بركةَ البكورِ مستحضرةً قولَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: "بورِك لأمّتي في بكورها".

وأستحضرُ قولَ تلكَ الأعرابيّة التي أيقظَت صبيانا لها قبلَ الفجرِ وقالت: تنسّموا هذه الأرواحَ، واستنشِقوا هذا النّسيم، وتفهّموا هذا النّعيم، فإنه يَشُدُّ من مُنّتكم!

وبينما أنا أهيم على متن الساحلِ، بَصرت بامرأةٍ قد حنكتها السنونُ، جالسة على مقعد لها بوقار، فاستأذنتها في الجوارِ، فأذنت لي في لطف وبِشر، فجلستُ أحاذيها وأتأملُ في تلاطمِ الأمواج.

فلما انقضت هنيهة من صمت، التفتت إليَّ بعين خابرة، وقالت: يا بنية، أَبِك علةٌ من الأدواءِ تصيبكِ؟

فقلت: أما على الجملةِ فلا.

فعجبت وقالت: فما الذي يحملُ الغريرة مثلك، في ريعانِ صباها وغضاضةِ عمرها، على جشم البكورِ ومكابدةِ السيرِ؟

فأجبتُها بأني أبتغي صلاحَ البدنِ، وأرغبُ في خلع أثوابِ الكسلِ!

فنظرت إليَّ نظرةَ إشفاقٍ يكادُ يقطرُ منها الأسف، ثم قالت:

أي بُنية، اسمعي قولي وعيه، فكأنما بُعثت إليكِ نذيرا من غابرِ الأيامِ: اغنمي خلوّ بالكِ، وطيبي في مضجعكِ نفساً، ولا يكبُرنّ عليكِ ما رماكِ به الناسُ من نَعتٍ؛ فإنكِ لا تدرين ما طوت لكِ المقادير من شغلٍ، وما سيفجؤكِ به الدهرُ من طوارقِ الصروفِ التي لا تجدين معها للرُقادِ سبيلا، ولا إلى النومِ طريقا.

فلما استتمت مقالتها، علمتُ أنها سلكت سبيل الإشفاق عليَّ، ونطقت بلسانِ من عضّه الدهرُ بنابهِ، فقلتُ لها في رفق:

يا خالة، جزاكِ الله عن نصحكِ خيرا، فما زدتني إلا بصيرةً بما خرجتُ له؛ فإذا كان ما وراء الأفقِ هولا كما تصفين، وشغلا لا مهربَ منه كما تذكرين، فما أحوجني اليومَ إلى صلابةِ البدنِ وقوةِ المراس! وإنما أُعدّ هذا البكور لتلك الطوارقِ، وأبني هذه العزيمةَ لتلك الشدائدِ؛ فكيف يطيبُ لي الرُّقادُ وأنا أعلمُ أن أيامَ الراحةِ معدودةٌ؟

فابتسمت وقالت: أنتِ وما اخترت لنفسكِ يا بنية.

مضيت لشأني وعندي أنَّ الحكمةَ ضالةُ المؤمنِ يصرفُها حيث استقام له الرُّشد؛ فقد يكون التحذيرُ من الغيرِ باحثا على الإقدامِ لا الإحجامِ، وكل امرئٍ يغترفُ من المعاني بمقدارِ علوّ همّته.

والعاقلُ إذا وُصِفَ له هولُ الطريقِ لم يرجع القهقرى، بل شدّ مئزره وأعدّ عتادَه؛ لعلمه أنَّ الراحة الحقة هي التي تأتي بعد قضاءِ الواجبِ، وأنّ مَن استعجل الراحة قبل أوانها، طالت حسرتُه حين يفوتُ زمنُ التحصيل.

ولعمري إن الفَرق بين الرَّاحة والعَجز أَدَق من الشّعرةِ بينهما؛ فالرَّاحة استجماع للقُوّة، والعَجز استسلامٌ لخوَرِها. وما كان الفَراغُ نِعمة إلا يومَ يُجدِّد للنَّفسِ نشاطَها للنهوضِ، أمّا إذا ربَّاها على ألا تَنشَطَ إلا لِهَوى يُوافِقُها، فما هو براحة، بل استرخاءٌ للعَزيمة، ودَبِيبٌ لِلدَّعة.

ولا يُفهَمَنَّ من هذا أنَّ رِياضةَ النَّفسِ إعنات لها أو تَكلف لِلمَشَقَّة لذات المَشَقَّة؛ فإنَّ النُّفوس لا تُزكّى بإعناتِها وتَعذِيبِها، وإنّما بِقِيادِها لِما فيهِ صَلاحُها وإن خَالَف هَواها. فلم يَكُن المِيزان يَوما في مِقدار ما نُكابِد، وإنّما في الغايةِ التي نُكابِد في سَبِيلِها.

والمرء لا يُعد قُوّة نَفسِه لِفَوادِحِ النَّوازلِ وحَسب؛ بَل لِحُقُوقِ يومِهِ، وأعْباءِ أهلِهِ، وَطُولِ الشَّأو في طَلَبِ العلمِ وَالصَّلاح؛ وكلُّ أولئِكَ يَحتاجُ نَفسا قد رِيضَت على أن تَفعلَ ما يَنبَغِي، لا ما تَشتَهِيهِ وتَبتَغِيهِ.

ومن هاهُنا كان كَبحُ النَّفسِ في صِغارِ المَكارِهِ إعدادا لِكبارِها؛ إذ لا تَتكون العَزائِمُ الجَليلة في المَرءِ بغتَة، وإنّما تَتَجَمَّع من انتِصارَاتٍ صِغار مُتتابِعَة على دَاعِي الهَوَى والخُمُول؛ حتّى تُصبِحَ العَزِيمَة شِيمَة رَاسِخَة، والمُكابَدَة أُنسا لِلرُّوح، وتَغدُو النَّفس أمام أهوال الحَياةِ وصُرُوف الزَّمَن سَيّدة لا مُسَخّرَة.

خطت هذه النشرة بمداد الكاتبة

صفية أبي حفص

نشرات ذات صلة