المَـتاهة: فِطرَة فِي المَهَبّ.
تطالعك وجوه الصبية في غدوّهم ورواحهم، فيستقرّ في يقينك أن كلّ واحدٍ منهم يختزن طاقةً تترقب الكشف، وجوهر سلامةٍ ينتظر التعاهد. ترى فيهم صفاء الخلقة، وسعة القابلية للإصلاح، غير أنك تفجع بغياب اليد البصيرة التي تتولى صقلهم واستخراج مكنون أهليتهم. فتتحسر النفسُ على خامةٍ شريفة أُهملت في الركام، وبذرةٍ كَريمة تركها أربابُها في مهبّ العوارض، وذكاءٍ وقّاد لم يجد من يغذيه بالمعرفة، حتى صار الشارع معلّمهم، والإعلام الرديء مربّيهم، وقرين السوء قيّمهم. ولو قيل لك: من أضاع هذا؟ لقلت: من تركه؛ فإن الشر لا يحتاج إلى كبير جهد، وإنما الخير هو الذي يفتقر إلى كلفة وصبر.
وليس الحديث عن هؤلاء الصغار حديث عاطفة عابرة، بل هو حديث عن مآلات الفطرة؛ فإن الله يخلق الإنسان على أصل السلامة، ثم يجعل ما بعد ذلك موكولًا إلى أسباب تحفظ تلك السلامة أو تفسدها. فالطفل ليس صفحة بيضاء يكتب فيها الواقع ما شاء، ولا إنسانًا اكتمل ثم ينتظر الزمن، وإنما هو قابلية مودعة، بين أصل الفطرة وما سيؤول إليه أمرها، يتوقف مآله على ما يلقاه في طور التكوين.

المشكاة: نُور الصّيانة وحفظُ المقاصِد.
ومن هنا لم تجعل الشريعةُ التربيةَ نافلةً تكميلية، بل وسيلة لحفظ المقاصد التي جاءت بها؛ إذ بها يحفظ الدين قبل أن تزل العقيدة، والعقل قبل أن تفسده الشبهة أو الشهوة، والنفس قبل أن تعتاد الانحراف، والنسل قبل أن تضيع معانيه، والمال قبل أن يفسده سوء التدبير. فالتربية ليست عملا لاحقا على وجود الإنسان، بل هي من أعظم الأسباب التي تصون وجوده على الوجه الذي أراده الله.
ولهذا كانت التربية ميزانا دقيقا، لا يقوم على القهر الدائم ولا على الإهمال المطلق، وإنما على معرفة موضع الشدة وموضع اللين، ووقت الأخذ ووقت الترك. وما أكثر ما ترى من غلام أو جارية تلوح في كلامهما مخايل الفطنة، وفي تصرفاتهما دلائل الاستعداد، ثم لا يحتاجان إلا إلى عين بصيرة تعرف كيف توجه، لا إلى يد غليظة تعرف كيف تمنع؛ فإن النفوس لا تستقيم بالإكراه المجرد، كما لا تنضج بالإهمال.
وعي: بَـصيرة النّبوة.
وقد قرر النبي ﷺ هذا الأصل حين قال: «كل مولود يولد على الفطرة»، فجعل الفطرة مبدأ الخلقة، ثم دلّ فعله ﷺ على أن بلوغ المآل الحسن إنما يكون بحسن الرعاية. فمن تأمل هديه لم يجده يسلك بالأطفال والشباب طريقًا واحدة؛ لأن المقصود لم يكن توحيد الوسائل، وإنما إصابة القابلية. فرأى في عبد الله بن عباس رضي الله عنهما مخايل النباهة العلمية، فخصّه بالدعاء والتعليم، حتى صار ترجمان القرآن. ورأى في أنس بن مالك رضي الله عنه قابلية الصحبة، فربّاه بطول المعاشرة وحسن الخلق قبل كثرة التلقين. ولما احتاجت الأمة إلى إعداد النفوس لتحمل المسؤولية، قدّم الكفاءة على حداثة السن، فولّى أسامة بن زيد رضي الله عنه، يُخرج فداه أبي وأمّي ﷺ أثمن ما أُودِع في النفوس لا ما ليس فيها، ويضع كل ذَخيرةٍ في الثَّغر الذي خُلِقَت له.
فإذا تُرك الصبي لنفسه، لم تذهب فطرته دفعة واحدة، ولكنها تذبل شيئا فشيئا، حتى يعتاد ما كان ينكره، ويألف ما كان يستوحشه، ثم يأتي من يلومه على نهاية طريق لم يختر بدايته. ومن هنا كانت الشكوى من فساد الناشئة، مع التفريط في تربيتهم، ضربًا من التناقض؛ لأن الشريعة جعلت الرعاية سابقة على المحاسبة، والوقاية مقدمة على العلاج، والعناية بالبدايات سبيلًا إلى صلاح النهايات.
«فَرُبَّ صَغيرِ قَومٍ عَلَّموهُ
سَما وَحَمى المُسَوَّمَةَ العِرابا
وَكانَ لِقَومِهِ نَفعاً وَفَخراً
وَلَو تَرَكوهُ كانَ أَذىً وَعابا»
فَيا لله لِهَذَا النَّشءِ! مَا كَانَ أَعظم شَأنهُم لَو ظَفرُوا بِبَصِير يَستجلِي مَكنُونَ فِطرَتِهِم، قَبلَ أَن يَعبَثَ العَالَمُ بِمَآلِهِم.

خطت هذه النشرة بمداد الكاتبة
صفية أبي حفص



